پنجشنبه ۲۶ مهر ۱۳۹۷

صفحه اول >> کتاب ها => جامع الشتات ( 5) => فصل اول: کتاب الطلاق



و منها: ما ورد من الاخبار الواردة المعتبرة، فيما قال الزوج لامرئته: اعتدّي. مثل حسنة محمد بن مسلم او موثقته، عن الباقر(ع) في حديث، «قال:‌ انّما الطلاق ان يقول لها قبل العدّة، بعد ما تطهر من محيضها، قبل ان يجامعها،: انت طالق و اعتدي. يريد بذلك الطلاق و يُشهد علي ذلك رجلين عدلين»[1]. و حسنة الحلبي عن الصادق(ع) قال: قال: «الطلاق ان يقول لها اعتدي او يقول لها انت طالق»[2]. الي غير ذلك من الاَخبار.

انّ ملاحظة هذ[ه] الاخبار مع ظاهر اجماعهم علي عدم وقوع الطلاق بهذا اللفظ (كما نقله جماعة منهم) يقتضي ان يحمل علي انّ المراد بقوله «اعتدي» الاقرار علي وقوع الطلاق قبل التكلم بهذا اللفظ، و اخبار الزوج الزوجة بانّك مطلّقة فاعتدي. لا ان يكون انشاءً للطلاق. و بعض الاخبار الواردة في هذا المطلب، ظاهرة في ذلك ايضا. و كلام جماعة من نقلة الاخبار ناطقة به. و مع ذلك فالظاهر من تلك الاخبار، ان ذلك كاف في ثبوت الطلاق، و لا يطالب من الزوج شيئ لاثبات الطلاق بعد تكلّمه بهذه الكلمة.

اقول: و يظهر الجواب عن ذلك ايضا مما مرّ. فان ثبوت الطلاق بهذا الاقرار، بمعني كونه قائماً مقام المخاطبة معها بصيغة الطلاق المخصوصة في ثبوت الطلاق به. و لا يفيد ثبوته ان انكرته الزوجة[3]. فالغرض ان هذا الاقرار، يجزي عن اجراء الصيغة حين المخاطبة و المشافهة، و يثبت الطلاق بكشفه عن تحققه في الخارج. لا انه يثبته و ينوب منزلة البيّنة لو انكرته الزوجة. و هذا ظاهر. و بالجملة: لا يُنكَر ثبوته به مع مصادقتها ايّاه، او مع جهالتها بالحال. و اما لو كذّبته و انكرته، فلا دلالة في الروايات و كلماتهم علي حكمه.

و مما ذكرنا يظهر الكلام فيما ذكروه في الاشهاد علي الطلاق؛ فقال المحقق: «و امّا لو شهدا بالاقرار يشترط الاجتماع»[4]. و مثله عبارة القواعد. و قال في الارشاد: «و لو شهدا بالاقرار، حكم عليه ظاهراً و ان لم يجتمعا»[5].

 

فانّ ثبوت الطلاق بالاقرار في الجملة، و عدم اشتراط [اجتماع] الشاهدين فيه (كما اشترط في اجراء اصل الصيغة) لا يستلزم ثبوت الطلاق علي الزوجة لو انكرته. كما اشرنا سابقا. سيما و عبارة الارشاد ظاهر في اختصاص ثبوته عليه. و اصرح منه عبارة المقداد، قال في التنقيح: «لو اخبر الزوج بوقوع الطلاق منه صحيحا، حكم عليه به ظاهراً. فان كان كذلك في نفس الامر، فالحكم صحيح ظاهراً و باطناً. و الاّ لم تبن منه حتي ياتي بالطلاق الصحيح الجامع للشرايط»[6]. و يقرب منه عبارة المسالك.

 

و منها: ما نقل عن جماعة من الاصحاب و نسبه في المسالك الي اكثرهم، من انّه لو ادعي الزوج انّه لم يقصد الطلاق بالصيغة بعد اجرائها، يُسمع منه ذلك ظاهرا مطلقا، او في العدة خاصة، او عقيب الطلاق خاصة، او مع عدم تزويجها بغيره، او [عدم] تزويجه بالاخت، او [عدم تزويجه] الخامسة. و لايسمع في غيره. علي خلاف بينهم في ذلك. و عن الشيخ في الخلاف دعوي اجماع الفرقة و اخبارهم،‌ موافقا للفقه الرضوي. و قالوا انه يدين بنيته باطنا. و علّلوه بان ذلك اخبار عما لا يطلع عليه غيره.

 

و وجه الاستدلال: ان في سماعهم دعواه المخالف للظاهر، دلالة علي ان الزوج مستقل عندهم في ولاية الطلاق غاية الاستقلال، بحيث ليس للزوجة معارضته و مصادمته فيما يقتضيه الظاهر المسموع منه، و يجب عليها متابعته مطلقا. مع انّهم لم يحكموا بذلك في ساير العقود مع اشتراطها بالقصد ايضا، والعاقد ابصر به.

 

اقول اولاً بمنع كون المسئلة اجماعية و الشهيد الثاني(ره) ايضا انكر ذلك في المسالك الاّ في صورة ظهور قرينة علي صدقه. مستدلاً بان الظاهر من حال العاقل المختار القصد الي مدلول اللفظ الذي يتكلم به. فاخباره بخلافه، مناف للظاهر. و لو كان الاصل مرجحاً عليه، لزم مثله في البيع و غيره من العقود و الايقاعات. مع الاتفاق علي عدم قبول قوله فيها[7]. و اختصاص الطلاق بذلك مشكل، بل الامر فيه اشدّ، لقوله(ع): «ثلاثة جدهنّ جدّ و هزلهنّ جدّ؛ النكاح و الطلاق و الرجعة»[8]. و تبعه في ذلك السيد محمد(ره) في شرح النافع. و قال في المسالك: «نعم لو صادقته الزوجة علي ذلك، لم يبعد القبول، لانّ الحق منحصر فيهما، فيدينان بما يتفقان عليه و يوكل امرهما الي الله». و قال في الكفاية بعد نقل اشكال المسالك: «و الاستشكال بموقعه».

و ثانيا: نقول ان صادقته الزوجة[9]، فالامر سهل، للزوم حمل قول المسلم علي الصحة و كون الامر بينهما لا غير، و كون الزوج ابصر بقصده. و كذلك لو جهلت المرئة بالحال، فعليها ان تصدّقه، لعدم ظهور كذبه. و لفظ الطلاق و ان كان الظاهر في القصد، لكن قوله لعدم ارادة معناه، صريح. و الصريح مقدم علي الظاهر، فيكون قرينة علي عدم ارادة الظاهر. و اما لو ادعت[10] المرئة القصد، فلا يسمع قول الرجل الاّ بيمينه، كساير الدعاوي. و كلماتهم لا تنافي ذلك. و يشهد بذلك ان العلاّمة (و غيره علي ما حكي عنهم) حكموا بخلاف ذلك في العتق. فقال فيما اذا قال المولي «انت حرّ» و ادعي قصد معني غير العتق. لو ادعي العبد قصد العتق، حلف منه. فان نكل، حلف العبد و عُتق. و وجه الشهادة ان العتق ايضا كالطلاق مما يستقل به المولي و امره مفوض اليه، بل و لا يظهر من اتفاقهم علي عدم سماع من يدعي خلاف الظاهر في ساير العقود، الاّ انه لا يقدم قوله. بل يقدم قول من يدعي الصحة مع يمينه. لا انه لا يسمع مع المصادقة ايضا، او انه لا يجوز تصديقه مع جهالة الحال راساً.

 

و يؤيده موثقة منصور بن يونس عن الكاظم(ع): «قلت له: جعلت فداك اني قد تزوجت امرئة و كانت تحتي فتزوجت عليها بنة خالي، و قد كان لي من المرئة ولد، فرجعت الي بغداد فطلقتها واحدة، ثم راجعتها، ثم طلقتها الثانية، ثم راجعتها. الي ان قال: و خرجت من عندها قبل ذلك باربع، فابوا عليّ الا تطليقها ثلاثا. و لا و الله جعلت فداك ما اردت الله و ما اردت الاّ ان اداريهم عن نفسي و قد امتلي قلبي من ذلك جعلت فداك. فمكث طويلا مطرقا، ثم رفع راسه اليّ و هو متبسّم، فقال: امّا ما بينك و بين الله عزوجل، فليس شيئ. ولكن ان قدّموك الي السلطان، بانت[11]منك»[12]. فان ظاهر الروّاية ان مع المرافعة، لا يسمع قولك. و ان كنت صادقا بينك و بين الله، و الزوجة حلال لك في نفس الامر.

و العجب ان بعضهم استدل بها للقول المشهور. و لعلّ نظره الي ان المراد من «بينه و بين الله» هو الحكم الناشي من سلطان العدل، و ان مراده من السلطان في الرواية هو السلطان الجاير. و هو بعيد عن لفظ الرواية. كما لا يخفي.

 

و ثالثاً: ان الدليل اذا اقتضي تقديم قول الزوج في عدم القصد، فهو لا يستلزم تقديمه في اصل ايقاع الطلاق. فالاجماع المنقول و الاخبار التي اشار اليها الشيخ مع عمل الاصحاب، اوجب تخصيص قاعدة الدعوي. و لا مخصص في غيره.

 

و منها: انّ المشهور بل المجمع عليه (علي ما نقل عن التحرير و غيره) ان الزوج اذا لم يعيّن الزوجة في الطلاق و نوي بها[13] واحدة معينة، فيصح و يُرجع اليه في معرفة ما نواها و يُقبل تفسيره في حقه و حق الزوجة. و ليس للازواج انكار ذلك. و ان كان لكل منها حكم نفسها.

 

وجه الاستدلال: انه لا ريب انّ تفسيره من باب الاقرار و الاخبار، لا الانشاء. و اذا كان اقرار الزوج مسموعاً في احد جزئي السبب و هو التعيين، ينبغي ان يكون مسموعا ايضا في الجزء الاخر و هو اللفظ. او يلزم بطلان هذا الطلاق رأسا. لادائه الي التنازع، و عدم افادته بنفسه للاحكام المطلوبة منه، و امكان العدول عنه[14] الي غيره. و ليس قصد المعني [المعين][15] هنا كنفس قصد المعني. و نحوه مما لا مناص من الرجوع الي العاقد في معرفته. و اما الفرق بين الجزئين، بانه لما صح الطلاق مع التعيين [لا] بالبينة، لزم الرجوع اليه في معرفة ذلك، لانحصار الطريق فيه. بخلاف الصيغة. فلا يجدي. لانهم انما قالوا بصحة الطلاق لما بنوا عليه من الرجوع اليه في التعيين. و يُبني الامرين علي كونه مستقلا بالامر، كما في العتق. و الاّ لاشترطوا التعيين لفظا. كما هو الموجود في الاخبار، و المناسب بوجوب الاشهاد.

 

و الاستقلال كما يقتضي الرجوع اليه في التعيين، يقتضي الرجوع اليه في الاصل. و كما انه قد يعلم كذبه في الثاني كذلك قد يعلم كذبه في الاول.

 

اقول: لا ريب في انّ مرادهم انه يرجع اليه و لا يلتفت الي احتمال كذبه اذا لم يزاحمه احد في دعويه. اما لو ادعت الزوجة كذبه، فيحتاج الي المرافعة. و هذا لا ينافي تقديم قوله مع اليمين. و الحاصل: ان مرادهم بالصحة، و اجماعهم عليه، انما هو الصحة في نفس الامر بالنسبة اليه ظاهراً، و باطناً ايضا اذا كان صادقا. و بالنسبة اليها ايضا ان صادقته، او لم تكذّبه، فيجوز للزوجة الاكتفاء بقوله في التعيين، و ليس لها انكاره اذا لم يظهر عليها كذبه. بل يجب تصديقه حملا لقول المسلم علي الصحة.

 

قوله: «فاذا كان اقرار الزوج مسموعا... الي اخره». ففيه: انه غير مرتبط بما نحن فيه. اذ المفروض عدم النزاع في اصل تحقق الطلاق. انما الاشكال في التعيين. فان اراد ان الجزء الاخر مسموع منه هنا، فهو ليس من محل النزاع في شيئ. و ان اراد انه مسموع فيما لم تسلم الزوجة اصل اجراء الصيغة، فالملازمة ممنوعة. اذ قد يكون كاذبا فيه. و كلامنا في اصل الطلاق ايضا مثل التعيين؛ فمع المصادقة او عدم ظهور الحال، يجب تصديقه. و مع التكذيب فلا يسمع قوله، الاّ بالبينة.

 

قوله: او يلزم بطلان هذا الطلاق رأساً، يعني ان لم يكن قوله مسموعاً في الجزء الاخر، لزم بطلان هذا الطلاق رأساً. يعني هذا الطلاق المخبر عنه ضمناً في تعيين الزوجة، بتقريب ان تعيين الزوجة في قوّة «طلّقت هذه الزوجة»، فهو اخبار باصل الطلاق المتحقق بهذا الشخص الخاص. ضرورة بطلان الكل ببطلان جزئه. و ان لم يكن باطلاً مع ذلك (و المفروض عدم تحقق التعيين بسبب عدم تحقق لفظ الصيغة) و كان لذلك الطلاق وجه صحة حملٍ، لَادّي الي التنازع و عدم افادته للاحكام المطلوبة من الطلاق. و الحال انه كان يمكن العدول عن الطلاق المعرّي عن قيد التعيّين في اللفظ، الي غيره و هو المقيد بتعيين الزوجة. و المفروض انّهم حكموا بصحته. هذا خلف.

 

اقول: قد عرفت انّا نقول بكون الجزء الاخر و هو اللفظ مسموعا. لكن في ضمن هذا الاقرار الخاص، الزمناه[16] بسبب مسبوقيته باللفظ المطلق المنوي به الزوجة المعيّنة. و لا يلزم منه ثبوت مطلق اَجزاء[17] الصيغة، الذي هو غير مسلّم عند الزوجة. ولكن تصحيح هذا الطلاق الخاص لا يستلزم تصحيح ما لو اخبر بطلاق المعيّنة اولاً و غير مسبوق بشيئ اخر.

قوله: «فليس قصد المعني المعين.. الي اخره»، اقول: لا فرق بينهما في كون الرجوع اليه، و كونه هو المناص. و مع ذلك لا يضرّ توقف السماع علي اليمين في صورة الدعوي. و لا يستلزم ذلك كونه مستقلا فيهما بحيث لا يلتفت الي دعوي المرئة. و بالجملة دعوي اصل الطلاق مسبوقة بالعدم الازلي و مخالفة الظاهر و استصحاب بقاء الزوجية [و] حقوق الزوجة. فثبوته يحتاج الي البيّنة. و اما دعوي قصد المعني من اللفظ و قصد الزوجة المعينة من الزوجة المطلقة، فهو لما كان لا يعلم الاّ من الزوج، فلزوم الضرر و الحرج و ظهور قصد المسلم، يوجب سماع قول مدعيه و تقديم قوله مع اليمين في صورة الانكار.

قوله: «لانهم انما قالوا بصحة الطلاق.. الي اخره»، اقول:‌ ليس كذلك، بل انما حكموا بالصّحة لانه طلاق وقع علي امرئة معينة في نفس الامر. و صحته في نفس الامر لا يستلزم ثبوته علي الزوجة المنكرة. لحصول الثمرة بالنسبة اليها[18] و بالنسبة الي الزوجة المصدّقه، لعلمها بالصدق [ا]و جهلها بالحال.

قوله: «و مبني الامرين علي كونه مستقلا بالامر»، قد ظهر بطلانه[19]. فان المبني في الاول هو انه طلاق وقع علي معينة في نفس الامر. و اما الثاني فهذه الدعوي فيه مصادرة ان كان يريد مطلق الصيغة. و ان اراد الصيغة الخاصة الحاصلة في ضمن هذا الاقرار الضمني، فهو لا ينفعه في المطلق[20]. سيما و الفارق موجود بسبب الطلاق الغير المقيد في لفظٍ هنا[21].

قوله: «و الاّ لَاشترطوا التعيين لفظا فيه»، اقول: هذا يصح ان سلمنا [انّ] مبني صحة الطلاق حينئذ هو الرجوع اليه و كونه مستقلا. و قد عرفت بطلانه.

و منها: ما ذكره جماعة فيما اذا اشتبهت المطلّقة بعد ما كانت معينة. لسهو، او نسيان، او لاجل مسامحة في اصل التعيين. فقالوا: يمتنع من الجميع و عليه ان يبيّن المطلقة بيان اخبار و اقرار، لا بيان شهوة و اختيار. فان قال هذه[22] التي طلقتها، حكم بطلاقها و بزوجية الاخري. او هذه التي لم اطلّقها، حكم بطلاق الاخري. او طلقت هذه لا بل هذه، حكم بطلاقهما جميعاً، لانّه اقرار بطلاقهما واحدة بعد واحدة. فلم يقبل رجوعه في الاول، و لزمه الاقرار بهما. ذكره الشيخ و العلامة في التحرير و القواعد الاّ انه قال في القواعد: «فان عيّن واحدة للنكاح او الطلاق، لزمه. و لهما احلافه لو كذّبتاه»[23].

وجه الاستدلال: انهم قدموا هنا قول الزوج في الطلاق، و ليس ذلك الاّ لاجل ان امر الطلاق اليه.

اقول: هذه المسئلة ليست باجماعية. اذ لم نقف عليها الاّ في كلام معدود منهم. مع ان العلامة قال في القواعد: «لزمه». فخصّ اللزوم بالزوج. فلا يثبت منه اللزوم بالنسبة الي الزوجة. و ذكره الفاضل في شرحه ساكتاً عليه. و هو الظاهر من اخر عبارة المبسوط. و اول كلامهما ايضا لا يدل الاّ علي ذلك. اذ ما ذكراه انه يمنع عن الجميع، و هو لا يدل علي وقوع الطلاق بالنسبة اليها. و يظهر الثمرة في الميراث و النفقة و غير هما. و مع ذلك فنقول: ان تقديم قوله في هذه المسئلة‌ لا يستلزم تقديمه فيما نحن فيه. و لعل وجه تقديمهم قول الزوج، هو ان الطلاق فعل[24] الزوج و لا يعرف حقيقته و كيفيته الاّ من جانبه. و قد اشار اليه الفاضل في شرح القواعد حيث قال في مقام الاستدلال: «لان القول، قوله. لانه لا يعرف الاّ منه»[25].

 

لا يقال: انه انما يصح فيما اذا وقع التعيين في النية خاصة، و هو خلاف الفرض. اذ المفروض انه عيّنها اِما بالتسميه او بالاشارة او الخطاب، ثم اشتبهت[26]. فلم يبق شيئ خفي لا يُعرف الاّ منه. فقد يكون الزوجة اعرف بالحال، و قد يكون الزوج اعرف، و قد يتساويان.

 

لانّا نقول: ادعاء‌ الزوج ان هذه هي المعينة، يرجع الي ادعاء‌ انّي عنيت هذه في القصد، قصدت هذه دون غيرها. سلّمنا، لكن نقول: ان توجيه الخطاب في الزوجة و نحوه انما هو فعله و هو اعرف بفعله. فاذا ادعاه فهو مدع للظاهر الراجح. فيكون بمنزلة المنكر. و الزوجة المدعية لخلافه بمنزلة المدعي. و الفرق واضح بين ادعاء ايقاع نفس الفعل و ادعاء فعله علي كيفية خاصة. اذ الاول مسبوق بالعدم و الاصل عدمه. و اما بالنسبة الي الكيفية، فلا يجري الاصل. اذ الكيفيات كلها متساوية في اصالة‌ عدمها. فيبقي ظهور صدقه في كيفية فعله سالما. فلا ينفع ذلك في المسئلة المبحوث عنها اعني دعوي نفس الطلاق مبتداً، في شيئ.

 

و اما تحقيق هذه المسئلة: و ان كان ليس هيهنا محلّه، لكنّا نقول مجملاً:‌ انّه اذا اشتبهت المطلّقة بغيرها، فمقتضي ما هو المشهور في [الـ]شبهة المحصورة، و جوب اجتناب الجميع، و وجوب الانفاق علي الجميع لكونهما مقدمة للواجب. فانّ انفاق الغير المطلّقة واجب، و هو لا يتمّ الا باتفاقهما معاً. و كذلك الاجتناب عن المطلّقة واجب و لا يتمّ الا بالاجتناب عنهما. و ماحققناه في الاصول في الشبهة المحصورة، هو عدم وجوب الاجتناب عن المشتبه[27] المحصور. لاصالة البرائة و عموم قولهم(ع): «كل شيئ فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتي تعرف الحرام بعينه». و ضعّفنا دليلهم، من انّ ذلك من باب مقدمة الواجب؛ بان الواجب انّما هو اجتناب ما علم انه حرام[28]، لا مطلق الحرام. و كذلك ما علم انه نجس. فيجوز تناول المشتبه بالحرام، تدريجا. و كذلك النجس الي اخره. و ان حصل اشتغال الذّمة بردّ المال الي صاحبه. و كذلك يلزم عليه التطهير و نحوه لو استعمل كل المشتبه. خرجنا عنه في خصوص الانائين المشتبهين، بالاجماع و الخبر، و بقي الباقي.

و لكنه [لا] يتمّ فيما نحن فيه (لعدم ظهور تلك الاخبار فيما نحن فيه. و [عدم جريان] اصل البرائة) بل هو ظاهر في مثل اكل المشتبه و لبسه و نحوهما، و مباشرة النساء ليست من هذا الباب لحصر جوازها فيما هو مذكور في قوله تعالي: «إِلاَّ عَلى‏ أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُم»[29] الي قوله «فَمَنِ ابْتَغى‏ وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُون»[30]. و لا ريب ان بين هذه الزوجات من هي ليست بزوجة و لا مملوكة، فلا يجوز مباشرتها عن اخرتها. و مباشرة‌ بعضها دون بعض (كما هو مقتضي قول جماعة في الشبهة المحصورة، حيث ذكروا انه يجوز تناولها الي حد لايحصل معه اليقين بمباشرة الحرام، بان يبقي منه مقدار لا ينتقض من الحرام) فهو ايضا لا يتمّ فيما نحن فيه. لانّ جواز مباشرة‌ النساء‌ متوقف علي الاعتماد بانّها[31] زوجة او مملوكة. و ليس ذلك معلوماً له...

و ايضاً: اختيار البعض، انما يتمّ باخبار اَنّها غير المطلّقة. فيلزمه ترتب احكام الزوجة جميعا عليها مثل الميراث و جواز الاغتسال و غير ذلك. و لم يعلم[32] من الشرع ثبوت الزوجية. بجميع احكامها. بمجرد الاختيار. الي غير ذلك من المعايب. سيما مع ما ورد من التاكيد و التشديد في امر الفروج. و الظاهر انّ ذلك اجماعي ايضا. و علي هذا فيلزم العسر الشديد و الحرج  الوكيد و تعطيل الازواج. و لا يجوز للغير ايضاً الجمع بينهما، لانّ احدهما زوجة الغير جزما. بل يشكل التزويج باحدهما ايضا للغير، و تزويج اخت احدهما للزوج ايضا. الي غير ذلك من المفاسد. و الخلاص لا يحصل الآ بطلاقهما جميعا، و التجديد عليهما ان اراد الزوج ذلك. او بالبناء علي القرعة. و ظني به ان ذلك وجه وجيه (كما انه احد الاقوال في اصل الشبهة المحصورة) و لكن الطلاق احوط.

هذا كلّه، اذا بقي الاشتباه بحاله. و اما لو ارتفع بالبينة، او بالتذكر، او غير ذلك، من دون منازع. فلا اشكال ايضا. و اما صورة النزاع: فاَمّا لو عيّن الزوج احدهما و صدّقته الزوجة و لم تكذّبه الاخري. فلا اشكال. و كذلك لو جهلت الحال فيلزم تصديقه لما مرّ سابقا. و اما لو عيّنها و كذّبته، فهي المدعية، و الزوج بمنزلة المنكر. اذ[33] ذلك بحث عن كيفية فعله و هو اعرف به، فالقول قوله مع يمينه. و تعيين المدعي و المدعي عليه، انما هو بملاحظة ظهور المدعيا و خفائه. فلا ينافي ما ذكرنا كون الزوج في صورة المدعي لسبقه بالدعوي. و ليس ذلك من باب ردّ اليمين الي المدعي من جانب المنكر في صورة ادعاء الزوج انّ المطلّقة هي هذه و انكرته. كما يتوهم.

 

و اما المسئلة الاخيرة: يعني اذا عيّن احدهما ثم رجع عنها و عيّن الاخري؛ فان صدّقته الاولي في الرجوع عنها، فلا نزاع بينهما، و لا يُمنع عنها. سيما اذا كانت هناك امارة علي اشتباهه و غلطه. لان الحق منحصر فيهما، و امرهما موكول الي الله تعالي. و ربما يستشكل بانه يثبت بسبب الاقرار علي الزوج وجو[ب] الارتداع عنها، و لا دليل علي كون مجرّد تصديق الزوجة ايّاه في الرجوع بعد اقراره بالطلاق، سببا لا ستحلالها ثانياً. و لعلّه لذلك اطلق الشيخ و العلامة الحكم بطلاقهما. فالمناص الزامه بحكم الطلاق و النكاح معا. فللمرئة مطالبة حقوقها، و علي الزوج الارتداع من الاستمتاع بها.

و فيه: انّ الاقرار انما يثبت حكما ظاهريا، لا واقعيا حتي لايمكن ارتفاعه. فكما ان اقرار الزوج بالطلاق اعتراف بانقطاع سلطنته علي الزوجة، فتصديق الزوجه ايّاه [في الرجوع عن اقراره] ايضا اعتراف ببقاء السلطنة. و انكار الزوج[34] هو قول مسلم ينبغي حمله علي الصدق. و عدم سماعه اولاً انّما كان لاجل انّه اثبت حقاً للزوجة باعترافه. فاذا اسقطت الزوجة حقه ذلك، بتصديقها ايّاه، فلا يبقي ما يزاحم حمل قوله في الانكار علي الصدق. سيما اذا كان هناك امارة علي اشتباهه و غلطه.

و اما الطلاق: حكم الشيخ و العلامة بطلاقهما معا. فان اراد [ا] انّهما محكومتان بالطلاق من جهة الاقرارين، و انهما مطلّقتان[35] علي ظاهر الحكم، و يجري عليهما جميع ثمرات الطلاق في حال الحيوة و بعد الممات، ففيه اشكال واضح. اذ المفروض ان المطلّقة واحدة قد اشتبهت شخصها. و مراده في التعيين ايضا تعيين واحدة، فكيف يحكم بثبوت طلاقين. مع ما حققناه سابقا ان الاقرار بالطلاق ليس انشاء له[36]. و الاقرار كاشف عن الانشاء. و المفروض انه لم يكن الاّ واحداً. فلابدّ ان يحمل كلامهما علي ارادتهما حكم المطلّقة من حيث عدم جواز مباشرتهما و التمتع بهما لا للزوج و لا للزوجة. و ذلك انما هو لاجل رجوع الاشتباه الي حالته الاولي. فقولهما «طُلّقتا» [اي] مُنع الزوج منهما و مُنعتا عنه.

و هذا الحمل و ان كان بعيداً من ظاهر التعليل المذكور في كلامهما، لكنه مما لابد منه. لئلاّ يخرج الكلام عن موضوع المسئلة.

فالمناص حينئذ  في التعيين، لا يكون الاّ بالقرعة.

و اما القول بعدم ارتباط حكم الاخيرة بالاولي، او انّ علي الاخيرة اَن تصدّق زوجها في الطلاق (و ان حُكم علي الاولي بالطلاق ايضا)، و انّها من باب واجد المني في الثوب المشترك، فانّ كلاً منهما يعمل بمقتضي الاصل ما لم يعلم خلافه، فكذا هنا تعمل كل منهما[37] بمقتضي اقرار الزوج ما لم يُعلم كذبه.

فغير ظاهر الوجه ان اريد به الحكم بكونهما مطلّقتين شرعا يجري عليهما جميع احكام الطلاق. و الفرق بينها و بين الجنابة المشتركة، واضح. لتاصل الاصل في الجنابة بالنسبة اليهما جميعا، و عدم تحقق الاقرار الصحيح فيما نحن فيه بالنسبة اليهما جميعا، او صحة قوله. بل هذه (مع كون المفروض وحدة الطلاق في نفس الامر) انما يتمّ مع بطلان الاقرار الاول بسبب الرجوع، و المفروض خلافه.

و ان اريد به الرجوع الي الاشتباه الاول، و انّ المراد كونهما ممنوعة عن معاملة الزوجية، فهو صحيح، ولكنه ليس من ثمرات الاقرار. بل من جهة نفس الاشتباه السابق. و ان كذّبته في الرجوع و وافقته علي الاقرار الاول، فيحكم بالطلاق باقراره[38] و يبقي انكاره. الاّ ان يدعي اشتباها و غلطا في اقراره، فيكون تجديد دعوي اخري. لا تكذيبا لنفسه و انكاراً لما اقرّ به. فيكون دعوي مسموعة. و الظاهر قبولها و يقدم قوله مع يمينه اذا ظهر امارة علي ما يدعيه. لانه اعرف بفعله، و عدم امكان اقامة البينة عليه. و عدم تمكّن المرئة من اليمين علي نفيه.



[1] الوسائل، كتاب الطلاق، ابواب مقدماته و شرائطه، ب16 ح3.

[2] الوسائل الكتاب و الباب، ح4.

[3] و في النسخة: لا يفيد ثبوته و ان انكرته الزوجة.

[4] الشرايع، كتاب الطلاق، الركن الرابع الاشهاد، ج3 ص12 ط دارالتفسير.

[5] ارشاد الاذهان، ج2 ص43.

[6] التنقيح الرائع، ج3 ص317.

[7] اي العقود و الايقاعات- و في النسخة: فيه.

[8] سنن ابي داود، ج2 ص259 ح2194. و سنن بيهقي ج7 ص341.

[9] و في النسخة: ان صادقته الزوجة اياها.

[10] و في النسخة: ادعيت.

[11] و في النسخة: باتها منك.

[12] الوسائل، كتاب الطلاق، ابواب مقدماته و شرائطه، ب38 ح1.

[13] اي بالطلاق- و الاجود «به».

[14] اي: عن القصد.

[15] و في النسخة جعل لفظة «المعين» بين السطرين بعنوان نسخة البدل.

[16] ولعله «التزمناه».

[17] و في النسخة: اجراء.

[18] و في النسخة: اليه.

[19] و في النسخة: بطلاقه.

[20] اي في الصيغة التي لا قيد فيها ظاهراً (مع صرف النظر عن نفس الامر) كما هو المفروض.

[21] و في النسخة: هذا.

[22] و في النسخة: هذا.

[23] القواعد، ج3 ص125 ط جامعة المدرسين.

[24] و في النسخة: فلعل.

[25] كشف اللثام، ج8 ص23 ط جامعة المدرسين.

[26] و في النسخة: انتبهت.

[27] و في النسخة: الشبهة. خ، ل: المشبهة.

[28] و في النسخة: ما علم هو انه حرام- و علي هذا ففعل «علم» معلوم و فاعله المكلف. و لا يناسب المقام.

[29] السورة، المؤمنون، الاية6- السورة المعارج، الاية30.

[30] السورة، المؤمنون، الاية7- السورة، المعارج، الاية31.

[31] و في النسخة: و بانّها.

[32] و في النسخة: و لم يعمل.

[33] و في النسخة: او.

[34] اي انكار الزوج اقرارَه الاول.

[35] و في النسخة: مطلّقات.

[36] و في النسخة: ليس له انشاء له.

[37] و في النسخة: يعمل كل منهما.

[38] و في النسخة: باقرارهما.